الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2008

الكتابة : موادها وأدواتها



الكتابة
موادها وأدواتها
سعد بن عبدالله السعدان
عرفت البشرية الكتابة باعتبارها وسيلة اتصال، وتعارف، وتخاطب، واتخذت أشكالاً معينة، وصوراً مختلفة، تطورت بمضي الأزمان، واعتنت الأمة العربية بأمر الكتابة والخط عناية بالغة، حتى أصبح الخط العربي من الفنون المتميزة، وبرز عمالقة في الخط العربي، ولا ريب أن الخط والكتابة ترتكز على ركنين أساسين أولاهما مواد الكتابة، ثانيهما أدوات الكتابة.أولاً: مواد الكتابة:اتخذ الناس منذ القدم صحائف، ومواد للكتابة، وقد تنوعت هذه المواد حسب الأغراض، والحاجات، ويمكن أن نقسم المواد إلى ثلاثة أنواع هي:أ مواد اتخذت من الجماد: كالحجر، والخزف، والطين، والمعادن. ومن الحجر كتب على ما يسمى عند العرب باللخاف، وهي: الحجارة البيض الرِّقاق. وقد وجد مكتوباً على الحجارة بالعربية في نقوش أم الجمال، والنمارة، وزبد، وغيرها.وقد كُتب على الحجارة كشواهد للقبور!، كما في نقش النمارة، الذي وضع على قبر امرئ القيس في الجاهلية.وكتب على اللخاف آيات من القرآن الكريم، قال زيد بن ثابت كما في صحيح البخاري بعد أن كلفه أبو بكر الصديق بجمع القرآن: "...فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف..."(1).وقد كتب العرب على الطين، أو ما يعرف بالفخار، وهو: الطين المشوي. وأما الخزف فقد انتشرت ظاهرة الزخرفة عليه، والنقوش التي تحمل الآيات، أو الحكم، ونحو ذلك.وكتبوا أيضاً على المعادن بأنواعها، كالسيوف، والحلي، والأواني المصنوعة من الحديد، والنحاس، والذهب، والفضة، بل كثرت النقوش والكتابات إلى درجة كبيرة، وانتشرت هذه الظاهرة عبر العصور. وبرز عدد من الحذاق في هذه المهن(2).ب مواد اتخذت من النبات: كأوراق الشجر، وألواح الخشب. والقماش، ونبات البابيروس المصري، والورق المصنوع من القطن، والكتان، وغيره.فمن أوراق الشجر، كتب على العسب، والعسب جمع عسيب، والعسيب هو: جريدة النخل، أو السعفة، وهي "جريدة من النخل مستقيمة دقيقة، يكشط خوصها"(3).وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، يكتبون الآيات على العسب، كما في حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن.ولعل العسب أكثر المواد المستعملة في الكتابة، وذلك بسبب أن البلاد العربية، خصوصاً الجزيرة العربية، والعراق، مليئة بواحات النخيل.وكتب أيضاً على الكرانيف، وهي: جمع كرنافة، والكرناف هو: "أصول الكرب التي تبقى في جذع السعف، وما قطع من السعف فهو الكرب، الواحدة كُرنافة، وكِرنافة وجمع الكرناف والكرنافة كرانيف"، وقال ابن سيده: "الكرُنافة، والكِرنافة، والكُرنوفة أصل السعفة الغليظ الملتزق بجذع النخلة"،(4) وكانت الكتابة على أوراق الشجر معروفة عند بعض الأمم، قال بلينيوس المؤرخ: "إن بعض الأمم كانت تكتب على أوراق الشجر، ولم تزل بعض القبائل الهمجية في الهند، وجزائر الأوقيانوس، تكتب على قشور الشجر، أو أوراق النبات العريضة، فسكان جزائر مالديف الأصليون، يكتبون على أوراق شجر يدعى عندهم مكريكو، يبلغ طول الورقة منه متراً، وعرضها (30) سنتيمتراً، وقبائل جزائر سيلان يكتبون على ورق شجر يدعى تاليبوت، وسكان ملابار في الهند يكتبون على أوراق نوع من شجر النخل، وفي متاحف أوروبا كثير من كتابات المكسيكيين القدماء، على أوراق شجر يسمونه بتالا"(5).أما ألواح الخشب، فقد استخدمت كثيراً في الكتابة، خصوصاً التعليم، ومنها ما يسمى بالأقتاب، ومفردها قِتب، وقَتب، وقيل هو: "الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير"، وقيل هو: "رحل صغير على قدر السنام"(6).ونجد أن الكتابة بواسطة الألواح مازالت مستخدمة إلى وقتنا هذا في ما يسمى بالكتاتيب في بعض البلدان.وقد استعمل في الكتابة القماش، ويعرف آنذاك بالمهارق، ومفردها مُهْرَق، وهو لفظ فارسي معرّب، قال ابن منظور: "المهرق ثوب حرير، أبيض، يُسقى الصمغ، ويُصقل ثم يكتب فيه"(7).ويبدو أن هذا النوع من مواد الكتابة كان غالياً، وصعب المنال، وكان لا يأتي إلى الجزيرة إلا بواسطة القوافل التجارية من بلاد بعيدة، ولهذا كانوا لا يكتبون فيه إلا الأمور المهمة الجليلة، وذلك لندرته وغلاء ثمنه، يقول الجاحظ: "لا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، وميثاق، وأمان"(8).والقماش المستخدم في الكتابة أنواع كثيرة، ربما يكون من الحرير، أو القطن، أو الكتان، ونحو ذلك.أما نبات البابيروس المصري، أو ما يعرف بورق البُردي، فيعتبر اكتشاف هذا النوع مرحلة مهمة وجديدة في الكتابة، وقد عمل هذا الورق المصريون، وكان "صنعه سراً من أسرار الصناعة المصرية إلى أن عرفه الفينقيون، وانتشر بواسطتهم في كل البلاد اليونانية والرومانية"(9).ونبات البردي "طويل الساق، ينتهي بورق عريض، وينبت على ضفاف النيل بكثرة، ويوجد على شواطئ الأنهار والمستنقعات في سورية والحبشة، وكان مورد ثروة لمصر تصنع من أليافه الحبال، والأقمشة، وقلوع المراكب، وتحبك من سوقه السلال، وتؤكل جذوره مطبوخة"(10).ونبات البردي ينبت على صورة ساق طويلة "ينتهي بخيمة زهرية ذات حوامل طويلة، تنتهي بسبيلات تنظم على هيئة سنبلة واحدة، تزهر طوال العام إلا في الشتاء، وهذه الساق مثلثة جوفاء"(11).أما عن كيفية صناعته، وتجهيزه "فتنقع سيقانه بالماء لتنعم، ثم تنزع عنها القشرة الخضراء، ويبقى اللب الداخلي الناعم، فيقطع قطعاً طويلة رقيقة بسكين حادة، وترتب هذه القطع حسب الحجم والنوع، وتجمع إلى جوار بعضها بعضاً، على لوح رطب، لتغطى بطبقة أخرى من القطع متعامدة عليها، ويضغط عليهما حتى تلتصقا ببعضهما، لوجود مادة لاصقة في اللب، وتشكل القطع بعد ذلك، وتترك في الشمس لتجف، وأخيراً يصار إلى حكها بقطعة من عاج، أو محارة، أو مطرقة، وأحياناً يطلى سطحها بمادة لاصقة، وتضم القطع واحدة إلى الأخرى لتلتصق عند رؤوسها بعجين الدقيق، لتكون أدراجاً يسهل تداولها ولتباع بالتجزئة، وكان يباع باسم قراطيس، أو طوامير"(12).وازدهرت صناعة الورق (البردي)، وأصبح يتصدر مواد الكتابة فترة طويلة "وظل هو المادة الرئيسية للكتابة طوال عصر بني أمية، وخلال الفترة الأولى من عصر بني العباس؛ لأنه كان في متناول عامة الناس"(13).وقد ظل ورق البردي هو المستعمل مدة بعد الفتح الإسلامي إلى أن ارتفع ثمنه، وبعد فترة حل الورق مكانه، "وقد عرف العرب الورق لأول مرة سنة (133ه)، عندما اندفعت جيوش المسلمين لتحطم حشود فرغانا آخر معاقل سمرقند، وتأسر أكثر من عشرين ألف رجل، كان بينهم عدد من صناع الورق الصينيين، الذين استمروا في إقامة معامل للورق في سمرقند، وفي نهاية القرن الثامن الميلادي أنشئت معامل للورق في بغداد، ودمشق، وغيرها من المدن العربية الإسلامية على عهد هارون الرشيد"، وقد تنوعت الأوراق وسميت بأسماء الولاة يذكر ابن النديم ستة أنواع رئيسة منها هي:1 السليماني: وسمي بذلك نسبة إلى سليمان بن راشد عامل الخراج على خراسان في عهد هارون الرشيد.2 الطلحي: نسبة إلى طلحة بن طاهر، ثاني أمراء بني طاهر.3 النوحي: نسبة إلى الأمير نوح حاكم خراسان.4 الفرعوني: ويحتمل أنه سمي بذلك نسبة إلى فرعون مصر.5 الجعفري: نسبة إلى جعفر البرمكي.6 الطاهري: نسبة إلى طاهر بن عبدالله والي خراسان.وظلت سمرقند تحتكر صناعة الورق أكثر من ثمان وثلاثين عاماً (133ه 170ه) أي حتى مجيء هارون الرشيد، الذي نقل صناعته إلى بغداد، وبدخول مصانع الورق إلى بغداد، حدث تطور مهم في مسيرة الحضارة العربية الإسلامية، فقد ازدادت الكتب، واتسعت المكتبات، وغصت مجالس وحلقات العلم بالعلماء، والمتعلمين، والأدباء، والمتأدبين، وصارت بغداد من أعظم المراكز العلمية في العالم ذلك الوقت"(14) والورق عرف وأطلق عليه اسم الكاغد، وهو لفظ فارسي معرّب.ج مواد اتخذت من الحيوان: كالرقوق، والأديم، والقضيم، والعظام مثل: الأكتاف، والأضلاع، وهناك الصدف، والمحار.والرقوق جمع رق، وهو "مايرقق من الجلد ليكتب فيه"، ومثله الأديم، وهو: الجلد الأحمر، أو المدبوغ، وكذلك ما يسمى بالقضيم، وهو: الجلد الأبيض الذي يكتب فيه.والرقوق كانت مشهورة ومستخدمة في الجاهلية، وفي صدر الإسلام، إلا أنها مستخدمة في أشياء معينة، وذلك لأنها عزيزة ومرتفعة الثمن، وقد ورد ذكر الرق في القرآن الكريم، قال تعالى: والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) {الطور: 1 - 3} .أما العظام فكانت كثيرة الاستعمال، حيث كتبوا عليها، ولعل أكثر أنواع العظام تداولاً الأكتاف، والأضلاع، والمقصود بذلك أكتاف وأضلاع الإبل، والغنم، وقد استمرت الكتابة على العظام حتى العصر العباسي الأول، وبعد ذلك حلت الأنواع المكتشفة مثل الورق ونحوه.بل إن بعض الأقوام مثل "سكان الجزر من اليونان القدماء يكتبون على الصدف والمحار"، وقد "اكتشف علماء الآثار في خرائب مدينة قديمة في الصين كثيراً من صدف السلاحف".وكذلك "استعمل الرومانيون للكتابة أيضاً ألواحاً من العظام والعاج، وكانت طريقتهم في الكتابة عليها أن يغمسوها في الشمع ثم يحفروا الكتابة في غشاء الشمع بقلم، أو مخرز من المعدن، ويصبّوا الحبر على الكتابة حتى إذا جف أذابوا الشمع فتظل الكتابة ظاهرة ثابتة"(15).

‏ليست هناك تعليقات: